أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، على أهمية التصدي للتحديات المعاصرة التي تواجه الأسرة المصرية. وقد أدركت الدولة المصرية مبكرًا خطورة هذه التحديات، فقامت باتخاذ خطوات فعالة من خلال توجيهات رئاسية لصياغة قوانين أحوال شخصية توازن بين حقوق الأفراد واحتياجات الأسرة، بالإضافة إلى إنشاء “صندوق دعم الأسرة” الذي يهدف إلى دعم الأبناء بعد الانفصال، وتسريع تنفيذ الأحكام القضائية فيما يتعلق بالدعاوى المالية، من أجل تحقيق الاستقرار المعيشي وتعزيز البرامج التي تهتم بالتأهيل المجتمعي والنفسي للأزواج المستقبليين.
وخلال كلمته في افتتاح المؤتمر الدولي السنوي للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء، الذي حمل عنوان “التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى”، شدد فضيلته على أهمية بناء الأسرة على أسس من المودة والرحمة، مشيرًا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قدوة في التعامل مع أسرته. وأكد أن الاحتفاء بمولده يجب أن يتحول إلى سلوك في حياتنا اليومية ومنهجية في تربية أبنائنا، حيث يمثل نموذجًا يُحتذى به في إدارة الخلافات الأسرية.
وأشار فضيلته إلى أن المؤتمر يتناول عدة محاور رئيسية تشكل تحديات حقيقية للأسرة في ظل التحولات السريعة التي يمر بها العالم. إذ تتداخل هذه التحديات مع متغيرات كبيرة يعاني منها المجتمع، مما يتطلب من كافة الأطراف على عاتقهم مسؤوليات مضاعفة في ظل تلك الوقائع التاريخية. وبهذا الأمر، يرى مفتي الجمهورية أن على المسلمين تقديم نموذج حضاري قائم على أسس إسلامية سليمة في كل ما يؤدي إلى استعادة التوازن والسكينة لمجتمعاتهم.
كما أوضح الدكتور عياد أن الأسرة تواجه تحديًا وجوديًا غير مسبوق، حيث تتعامل الفتوى اليوم مع قضايا لم يسبق لها مثيل من قبل. فقد شهد العالم انفتاحًا رقميًا أدى إلى تغيير في القيم والأفكار التي تنقلها الأجيال الجديدة، مما جعل من الضروري أن يخضع العقل لشروط جديدة وتحولات رقمية. لذا يجب أن يتبنى المحتوى التربوي قواعده من الأساس، قبل أن تتدخل التقنيات بشكل يغذي الفردانية وينعزل الأفراد عن هويتهم الاجتماعية الأسرية.
تطرق المفتي إلى مخاطر “الدارك ويب” وما يحتويه من محتويات تهدد أمن الأسرة وفلذات أكبادها، مشددًا على ضرورة الانتباه إلى ما ينتشر عبر الإنترنت من معلومات مغلوطة. فالتحديات الرقمية لا تقتصر على المنصات الشهيرة، بل تشمل مجالات خفية تؤثر على الروابط الأسرية. وقد نتج عن ذلك ضرورة تقديم عون أسري واضح للحد من هذه المخاطر، من خلال تصحيح المفاهيم الخاطئة وتعزيز الوعي داخل الأسرة.
بالإضافة إلى ذلك، دعا فضيلة المفتي إلى ضرورة تكثيف البرامج التوعوية والإرشادية المتصلة بالزواج والعلاقات الأسرية، مشددًا على أهمية التفاعل الإيجابي بين الأجيال. فالمسؤولية لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل تحتاج إلى تعاون متعدد التخصصات يجمع بين علماء الدين وخبراء النفس والمجتمع والتقنية والإعلام، لتقديم حلول شاملةً وعملية.
في النهاية، أكد فضيلة الدكتور عياد على أن معالجة التحديات الأسرية تتطلب جهودًا جماعية مؤسسية تضمن نقل الفتاوى العلمية إلى آفاق أوسع، تتجاوب مع هموم العصر. فالحماية تبدأ بالوعي الصحيح الذي يتشكل من مرجعيات عالمية، ولكن مستندة على القيم والأخلاق المتجددة في ظل التحولات العصرية.
