شهدت القمة الأخيرة لتجمع دول «بريكس» حضورًا بارزًا للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي قاد الوفد المصري، مما يعكس عمق الدور الذي تلعبه القاهرة في هذا التجمع الذي يعد من أبرز التكتلات الاقتصادية والسياسية على الساحة الدولية. ويؤكد الدبلوماسيون أن المشاركة المصرية لا تقتصر على الطابع البروتوكولي فقط، بل تعكس استراتيجية تعتمد على تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي.
خلال القمة، ألقى الرئيس السيسي كلمات في الجلسات الرئيسية، وعقد مجموعة من اللقاءات الثنائية مع قادة دول التجمع، حيث ناقش سبل تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار. وعبر السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، عن أن هذه المشاركة تمثل إضافة جديدة للعلاقات الخارجية المصرية، نظرًا لانتماء مصر العربي والإفريقي ودورها كمؤسس لمنطقة التجارة الحرة الإفريقية والعربية.
وأشار بيومي إلى وجود مقومات قوية لدى مصر تؤهلها للقيام بدور مهم في تعزيز العلاقات بين دول «بريكس» والأسواق العربية والإفريقية، في ظل أن التجمع يشمل دولًا ذات تأثير كبير مثل الهند والصين وروسيا. كما أكد أن السياسة المصرية تعتمد على تحليل جيد للأحداث، وهو ما يظهر من اعتراف مصر المبكر بجمهورية الصين، مما يعكس القدرة على قراءة التحولات الدولية وبناء علاقات متوازنة.
مصر ترى في عضويتها في «بريكس» فرصة استراتيجية لتنويع شركائها الاقتصاديين والتمويليين، وتقليل الاعتماد على مصادر التمويل التقليدية. وتعتبر أدوات التمويل البديلة مثل بنك التنمية الجديد وأليات التسوية بالعملات المحلية أساسية لدعم التجارة البينية وتقليل الحاجة إلى العملات الأجنبية، في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز الاستقرار المالي.
تتمتع مصر بموقع جغرافي متميز يتيح لها أن تصبح مركزًا رئيسيًا لربط منتجات دول «بريكس» بالأسواق العربية والإفريقية. هذا يمكنها من استقطاب المزيد من الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وزيادة حركة التجارة. وبدوره، شدد السفير أشرف عقل على أن أهمية مشاركة السيسي تتجاوز الطابع التمثيلي، فهي تعكس الدور المتزايد الذي تلعبه القاهرة في الشؤون الدولية والاقتصادية.
تطرق الرئيس السيسي في كلمته خلال القمة إلى مجموعة من القضايا المتداخلة، حيث تناول التحديات السياسية التي تواجه المنطقة، مثل القضية الفلسطينية والأزمة الإيرانية، وتأثير ذلك على الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. كما أكد على أن التعافي من الأزمات يتطلب تحقيق الأمن، وهو أمر أساسي للدفع قدما نحو التنمية المستدامة.
ولم تتوقف رسالته عند القضايا السياسية فحسب، بل شملت أيضًا الملفات الاقتصادية، حيث دعا إلى تسهيل حصول الدول النامية على التمويل اللازم للتعامل مع التغيرات المناخية وارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة. ومن خلال ذلك، تسعى مصر إلى تعزيز دورها كمحور تجاري واستثماري مهم بين دول الجنوب العالمي والأسواق العربية والإفريقية.
عبر مشاركتها في «بريكس»، تؤكد مصر التزامها بتفعيل شراكات إنتاجية واستثمارية مستدامة، حيث ترغب في تطوير التعاون إلى مستويات أعلى بدلاً من الاكتفاء بزيادة حجم التبادل التجاري. هذا التوجه يعكس رؤية القاهرة نحو تحرير استثمارات جديدة، وتعزيز قدرتها التصديرية، وتحسين موقعها في سلاسل القيمة العالمية.
بهذا، تضع مصر آمالها في استغلال عضويتها في «بريكس» كمنصة لما هو أكبر من مجرد التجارة، بل كوجهة للاستثمارات وبناء علاقات استراتيجية، مما يعزز نموها الاقتصادي ويحقق أهداف التنمية المستدامة على المدى البعيد.
