تشهد منطقة الكرنك الأثرية في مدينة الأقصر حدثاً فلكياً سنوياً يعكس القدرات المعمارية والفلكية للمصريين القدماء. يأتي هذا الحدث في وقت يعد مميزاً للغاية، إذ يتزامن مع الاعتدال الخريفي، والذي يحدث عند تساوي طول الليل والنهار على سطح كوكبنا، وهو ما يؤكد العلاقة العميقة بين العلم والمعمار في الحضارة المصرية القديمة.
دكتورة منار عبادي، رئيسة معمل أبحاث الشمس في المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، أكدت أن اللحظة الفلكية التي تحتفل بها مدينة الأقصر تبدأ رسمياً في الساعة 3:05 صباحاً، مما يدل على بداية فصل الخريف الفلكي. هذا الحدث يعطي لمحة عن أبعاد التوافق المذهل بين تصاميم المعابد القديمة وحركة الشمس.
تتجلى هذه الظاهرة في الطريقة التي توجه بها أشعة الشمس عند الظهيرة، حيث تتوافق بأقصى درجات الدقة مع الفتحات والمحاور الهندسية للمعابد. في الساعة 12:40 ظهراً، سيبدأ الضوء في اختراق الغرف المقدسة في معبدي “بتاح” و”رمسيس الثالث”، مما يمنح الزوار فرصة لمشاهدة لوحات ضوئية مذهلة تتفاعل مع تفاصيل البناء المعماري.
تعتبر ظاهرة تعامد الشمس دليلًا واضحًا على التقدم المعماري والفلكي في مصر القديمة، حيث أن تصميم معبد آمون رع في الكرنك تم بطريقة تعكس حركة الشمس اليومية. إذ استندت هذه التصاميم إلى فهم عميق للحسابات الفلكية التي كانت جزءًا من الحياة اليومية للمصريين القدماء.
استمراراً لهذه الفلسفة، تعمل وزارة السياحة والآثار المصرية على توثيق مثل هذه الظواهر الفلكية لتسليط الضوء على عبقرية المصري القديم في العمارة والفلك. هذه الظواهر ليست مجرد مشاهد طبيعية، بل هي تجسيد لإبداع الفراعنة في استغلال العناصر الطبيعية لتحديد المعالم الزمنية.
غداً، فإن الاعتدال الخريفي سيشهد بدء فصل الخريف في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، بينما يبدأ فصل الربيع في النصف الجنوبي. وبهذا، يشير الانتقال الفلكي إلى بداية تغيير مناخي يطرأ على المناطق، مذكراً بأهمية الفلك في حياة الإنسان القديم.
يُمثل مجمع معابد الكرنك أحد أبرز الشواهد على الإرث الحضاري المصري، حيث يحتضن عددًا هائلًا من المعابد والمنشآت التي شيدت عبر العصور. اعتبر الكرنك في العصور القديمة مركز دينياً ذا أهمية قصوى، حيث جاء معبد آمون رع ليكون رمزًا لهذا المعلم الأثري العظيم.
حمل المصريون القدماء اسم “إبت سوت” على الكرنك، بمعنى المكان الأكثر تميزاً، وهو ما يضاعف من قيمة هذا المعلم الأثري. تكشف أبحاث الضوء على الشواهد الفلكية للرؤية المعمارية عن مستوى الدقة والتواصل الحقيقي بين العمارة وحركة الجسم السماوي.
مع حلول هذه الظاهرة، يتزايد عدد الزائرين في الأقصر المهتمين بالفلك والآثار لمتابعة الانعكاسات الضوئية المذهلة على معابد الكرنك. إن رؤية هذا الحدث الفلكي وهي بجوار الإبداع المعماري القديم تجعل من هذه التجربة فرادة خاصّة تجعل كل من يراها يعيش في أجواء العظمة المصرية القديمة.
