أعاد بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر التأكيد على أهمية التعاون الدولي لبناء عالم عادل، مشددًا على دور التربية والعلم والثقافة في تحقيق السلام وتعزيز الاحترام العالمي لحقوق الإنسان وسيادة القانون. جاء ذلك في خطاب ألقاه أمام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في باريس، حيث أشار إلى أهمية هذه المنظمة كمنصة دولية تتيح تلاقي الثقافات واللغات من أجل تحقيق أهداف إنسانية مشتركة.
وفي كلمته، عبّر البابا عن سعادته بوجوده في اليونسكو، مشيرًا إلى أن المنظمة ليست فقط وسيلة لتحقيق العدالة ولكن أيضًا هدف بحد ذاته يساهم في بناء عالم أفضل وذلك من خلال مجالات التعليم والثقافة. كما أشار إلى قرب الاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لوجود الفاتيكان في اليونسكو، التي تعد رمزًا للالتزام بمبادئ الكرامة الإنسانية التي لا يمكن انتزاعها من أي فرد.
وفي سياق الحديث، تساءل البابا حول معنى الحياة، مؤكدًا أن التعليم لا يكتمل إذا لم يتناول هذا السؤال العميق. وأشار إلى أن جميع الثقافات تواجه هذا التحدي، ولا بد أن يتناول كل جيل هذه الأسئلة، خصوصًا في ضوء الأزمات الحادة التي تضرب العالم اليوم. كما اعتبر أن الحروب تمثل الأسوأ في تاريخ البشرية، وأن التطورات العلمية يمكن أن تستخدم بطرق مدمرة عندما تبتعد عن الحكمة.
ودعا البابا إلى ضرورة العمل على بناء السلام من خلال العدالة، منوهًا بأن المعاهدات يمكن أن تكون غير كافية إذا لم يبنَ السلام على أسس قوية من فضيلة الاستقامة. وأكد على ضرورة أن تبقى التكنولوجيا في خدمة البشرية، محذرًا من أن الاستخدامات السيئة لها يمكن أن تؤدي إلى إحلال الهيمنة والظلم بدلاً من التقدم والازدهار.
كما تحدث عن التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي معترفًا بقدرتها على ربط البيانات، لكنها تفتقر إلى القدرة على الإجابة عن الأسئلة حول معنى الحياة، وهو ما يمثل الحاجة المتزايدة للحكمة. وحذر من أن الانفتاح على المعلومات ليس بالضرورة يعني الحصول على الحكمة، بل إن غياب القيم الأخلاقية يمكن أن يؤدي إلى انتشار المعلومات الخاطئة ويعطل الحوار الفعال.
ورحب بمبادرة اليونسكو حول “الدراية الإعلامية والمعلوماتية”، مشيدًا بجهودها في تعزيز الاستخدام المسؤول للمعلومات، داعيًا المؤسسات الدولية إلى حماية الأطفال والشباب في البيئة الرقمية، حيث ينبغي أن تكون التكنولوجيا عاملاً داعمًا لنموهم وتعليمهم، بدلاً من أن تُستغل ضدهم.
وفي ختام كلمته، أكد البابا على ضرورة بناء الثقة وتعزيز الحوار بين الأمم، مشيرًا إلى أن الاختلاف في الرؤى لا يجب أن يكون سببًا للتوتر، بل فرصة لتحقيق الخير المشترك. كما دعا إلى الاستمرار في تعزيز التفاهم بين الثقافات المتنوعة، من خلال التعليم الذي يُعتبر الطريق الأهم لتجاوز الحواجز والشقاقات.
وأكد أن كل إنسان يحمل في داخله رجاءً جديدًا، وأن التفاني في البحث عن الحقيقة هو فعل يعكس الأمل، داعيًا جميع الأفراد إلى السعي نحو ثقافة الحوار والتفاهم. في النهاية، وبالتزامن مع الاحتفال بالعلم والمعرفة، أكد البابا أن الأسس التي نزرعها اليوم ستؤتي ثمارها لمستقبل أكثر سلامًا وإشراقًا.
