تسعى مصر حاليًا نحو تحقيق تحول رقمي شامل يعكس نهجًا متطورًا يتجاوز مفهوم الحكومة الإلكترونية التقليدي إلى مفهوم الحكومة الرقمية الأكثر حداثة. يشمل هذا التحول إعادة تصميم الخدمات والسياسات الحكومية باستخدام التكنولوجيا والبيانات، مع التركيز على تلبية احتياجات المواطنين وجعلهم في قلب عملية تصميم الخدمة.
وفقًا لتقارير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تشير مؤشرات التحول الرقمي في مصر إلى تقدم ملموس، حيث تمثل هذه المؤشرات تعبيرًا عن النمو المستمر للاقتصاد الرقمي، وتطور البنية التحتية، وزيادة الاستخدام اليومي للخدمات الحكومية الرقمية. يعكس هذا الاتجاه الانتقال من مجرد إتاحة الخدمات بشكل رقمي إلى مرحلة أكثر تفاعلية تتضمن توسيع استخدام هذه الخدمات.
ويرصد التقرير ارتفاع معدل النمو في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الذي بلغ حوالي 13.76% في العام المالي 2024 – 2025، مقارنة بنفس الفترة قبل عقد من الزمن. كما شهدت قيمة الصادرات الرقمية المصرية نموا مستمرا، حيث بلغت نحو 7.4 مليار دولار في عام 2025، مما يوضح قدرة مصر على استغلال الإمكانيات التكنولوجية لتعزيز موقعها في السوق العالمية.
من جهة أخرى، جاء ارتفاع صادرات خدمات التعهيد ليكون أحد عوامل الجذب الرئيسية، حيث زادت من 2.4 مليار دولار في عام 2022 إلى 5.2 مليار دولار في 2025، وهو ما يعكس التوسع الملحوظ في هذه القطاع خلال فترة زمنية قصيرة. وتهدف مصر إلى الوصول بهذه الصادرات إلى 6 مليارات دولار بحلول عام 2026.
فيما يتعلق بالبنية التحتية الرقمية، شهد عدد خطوط الهاتف المحمول نموًا كبيرًا، حيث بلغت 125.65 مليون خط بحلول مارس 2026. كما ارتفعت الاشتراكات النشطة للإنترنت عبر الهاتف المحمول إلى 94.43 مليون، مما يدل على اتساع نطاق خدمات الإنترنت والمعلومات في البلاد. كما زادت اشتراكات الإنترنت الثابت فائق السرعة بصورة ملحوظة.
وفي إطار التحسين المستمر للبنية التحتية للألياف الضوئية، تم ربط 4.39 مليون منزل بشبكات الألياف الضوئية بحلول عام 2024، مما يعكس اجتهاد الحكومة في تحسين خدمات الإنترنت للأسر. تمت توسعة الشبكات بالألياف الضوئية لتشمل 783 قرية ضمن مبادرة “حياة كريمة”، مما يساهم في تحقيق التنمية المستدامة في المناطق الريفية.
علاوة على ذلك، تظهر نتائج منصة “مصر الرقمية” زيادة ملحوظة في عدد الخدمات المتاحة، حيث ارتفعت من 170 خدمة في 2024 إلى 210 خدمات في 2025. واستخدام هذه المنصة زاد بشكل كبير، حيث تجاوز عدد المستخدمين 10.7 مليون، في حين تم تنفيذ أكثر من 25 مليون معاملة عبر المنصة.
وفي المجال القانوني، شهدت الدعاوى القضائية التي تم رفعها عن بُعد أمام المحاكم الاقتصادية ارتفاعًا كبيرًا، مما يدل على التوجه نحو العدالة الرقمية الذي يعزز من سهولة الوصول إلى النظام القانوني. ومن هذا المنطلق، يتم دعم مرافق التوثيق المميكنة بالصورة التي تسمح للجمهور بالخدمات القانونية بشكل أسرع وأسهل.
على الصعيد الدولي، حققت مصر مراكز متقدمة في مؤشرات نضج تكنولوجيا الحكومة، حيث احتلت المرتبة 22 عالميًا، مما يعكس نجاح جهود التحول الرقمي. كما جاءت مصر بين 12 دولة التي حققت نقاط كاملة في مؤشر الأمن السيبراني، مما يبرز أهمية حماية البيانات والمعلومات في ظل التزايد المستمر في استخدام الخدمات الرقمية.
تتجه مصر نحو تذليل الصعوبات التي تعترض استخدام هذه الخدمات من خلال تطوير البنية التحتية الرقمية، وتنمية القدرات البشرية في هذا المجال، وتعزيز الابتكار. وتبقى ضرورة قياس الأثر الفعلي للتحول الرقمي على حياة المواطنين بحد ذاته أولوية، من خلال قياس الوقت المستغرق، تكلفة القضايا وجودة الخدمات المقدمة.
مشهد التحول الرقمي في مصر يوضح أن المرحلة الحالية ليست مجرد مرحلة استثمار في التكنولوجيا، بل هي مرحلة واعية لتقديم خدمات متكاملة تعتمد على احتياجات المواطن، مما يسهم في تحسين جودة حياته بشكل ملموس.
أ ش أ
