أكد مفتي الجمهورية الدكتور نظير عياد أن الهوية الوطنية المصرية تمثل تجسيدًا لعمق تاريخي وثقافي متنوع، وأنه لا يمكن اختزالها في عنصر واحد فقط. فقد نتجت عن تفاعل عدة مكونات حضارية ودينية واجتماعية تكاملت لتشكل صورة غنية عن الهوية في مصر. جاء ذلك خلال مشاركته في جلسة نقاشية ضمن فعاليات مؤتمر “الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة” الذي يُعقد بمكتبة الإسكندرية، حيث تم تناول كثير من القضايا المتعلقة بالهوية المصرية في ظل تأثيرات تيارات الإسلام السياسي على المجتمع المصري.
وأشار المفتي إلى أن مكونات الهوية الوطنية تشمل مجموعة من العناصر الأساسية مثل الوطن، التاريخ، اللغة، الدين، الحضارة، التراث، بالإضافة إلى التنوع الفكري والتعددية الدينية. وعبر عن أهمية استعادة ما وصفه بـ “السردية المصرية”، ودعا إلى تعزيز الدراسات العلمية التي تتناول تطور هذه الهوية ومكوناتها المختلفة.
كما اقترح الدكتور عياد إعداد قاموس متخصص للمصطلحات المرتبطة بالهوية الوطنية، بمشاركة خبراء من مختلف المجالات، بهدف تنسيق المفاهيم وتصحيح المصطلحات التي قد تؤدي إلى مفاهيم خاطئة حول الهوية والانتماء. وأكد على ضرورة الفهم العميق للتحديات التي تواجه الهوية المصرية، مثل محاولات ربطها بمرحلة تاريخية معينة أو محاولة اختزال حضارتها في مفهوم واحد، مشددًا على أهمية التركيز على مفهوم “الحضارة المصرية القديمة” عند دراسة تاريخ مصر القديم.
وتناول المفتي تصورات معينة مرتبطة بالتاريخ الديني والحضاري لمصر، مشددًا على ضرورة دراستها في سياقاتها العلمية والتاريخية الصحيحة، محذرًا من إسقاط مفاهيم معاصرة عليها قد تؤدي إلى تشويهات تاريخية. وفي سبيل مواجهة التطرف، أكد على ضرورة تصحيح المفاهيم الخاطئة بالعودة إلى المصادر الفكرية والعلمية لتلك التيارات، مما يسهل فهم أفكارها والتصدي لها بطرق منهجية صحيحة.
وحذر عياد من الانزلاق وراء تأويل النصوص الدينية بعيدًا عن دلالاتها الأصلية، مضيفًا أهمية ضبط المصطلحات المرتبطة بالتطرف والإرهاب والجهاد، وتجنب الخلط بينها. كما دعا إلى مراجعة التصنيفات الفكرية التي تقسم المجتمعات بناءً على معايير بسيطة مثل “دار إيمان” و”دار كفر”.
في ظل الفضاء الرقمي المتزايد، أشار إلى المخاطر المترتبة على سهولة الوصول إلى المحتوى المضلل أو المتطرف، داعيًا إلى تعزيز الوعي الرقمي وأهمية التعاون بين المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية لتقديم المعرفة الموثوقة. وأكد على أن الانتماء الديني والوطني يمكن أن يتكامل، موضحًا أن الدين ليس عائقًا أمام قيم الانتماء للوطن، مشددًا على ضرورة التمييز بين مبادئ النصوص وممارسات الأفراد.
وانتهى الدكتور عياد بتأكيد على أن تعزيز الهوية الوطنية واستعادة السردية المصرية يحتاجان إلى تكاتف جهود المؤسسات المختلفة، مع الاعتماد على مصادر تاريخية وعلمية موثوقة. هذا الأمر من شأنه أن يعزز قيم التنوع والقبول ويحافظ على وحدة المجتمع المصري.
