تقترب الولايات المتحدة من إنهاء وجودها العسكري المتبقي في العراق، مما يسدل الستار على صراع استمر لأكثر من عقدين. يأتي هذا الانسحاب في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يخلف فراغًا أمنيًا قد يعزز نفوذ الميليشيات المدعومة من إيران ويفتح المجال أمام عودة تنظيم داعش، الذي لا يزال يحتفظ بشبكته من الخلايا النائمة. تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال يتحدث عن تكاليف هذه الحرب الممتدة، إذ أن الولايات المتحدة أنفقت قرابة 1.7 تريليون دولار منذ بداية تدخلها في العراق.
آراء متباينة تتردد بين العراقيين حول هذا الانسحاب، حيث يرى البعض أن إنهاء الوجود الأمريكي يعتبر خطوة إيجابية، بينما يشعر آخرون بالقلق حيال قدرة قوات الأمن العراقية المدربة على حماية البلاد. الرئيس السابق دونالد ترامب قد أعرب في زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في يوليو، عن اعتقاده بعدم الحاجة لوجود الجيش الأمريكي في العراق بعد الآن، مشيرًا إلى الجهود التي بذلها العراق لبناء قوة أمنية قادرة.
في ظل التوترات المستمرة، يبدو أن الحرب المستمرة مع إيران تدفع بالعراق نحو المزيد من الصراعات، حيث تم تسجيل أكثر من 600 هجوم على المنشآت الأمريكية في العراق خلال أشهر الحرب الأخيرة. هذا التدهور الأمني دفع السفارة الأمريكية في بغداد إلى توجيه تحذيرات لمواطنيها، بشأن مخاطر قد تواجههم، ولاسيما خطر الاختطاف.
كما أن طهران لم تدخر جهدًا في دعم الميليشيات منذ بداية الحملة العسكرية ضدها. ومع تزايد تلك الأنشطة، تم تسجيل هجمات بواسطة طائرات مسيرة وصواريخ، بعضها انطلق من العراق واستهدف مصالح سعودية، مما يزيد من تعقيد الوضع الأمني في المنطقة. ويتخوف المحللون من احتمال أن تستغل الفصائل الإيرانية تراجع الوجود العسكري الأمريكي لتوسيع نفوذها، مما قد يزعزع استقرار العراق في المرحلة المقبلة.
تاريخ التدخل العسكري الأمريكي في العراق يعود إلى عام 2003، حينما قادت القوات الأمريكية غزوًا أدى إلى الإطاحة بنظام صدام حسين. وقد واجهت القوات الأمريكية مقاومة من الجماعات المتشددة، بما في ذلك تنظيم القاعدة ومن ثم داعش، الذي سبق وأن سيطر على مساحات شاسعة من العراق. وفي خضم هذا الانسحاب، يجب على القوات العراقية أن تُظهر كفاءتها في مواجهة أي تهديدات قد تنشأ عن فراغ القوة الناتج عن المغادرة الأمريكية.
غالبًا ما تساءل الخبراء عن مدى استعداد المؤسسات الأمنية العراقية للخطر المحتمل بعد المغادرة الأمريكية. وقد أشار بعض المسؤولين إلى أن عليهم العمل على تطوير قدراتهم لمواجهة أية اعتداءات قد تأتي من تنظيم داعش أو الميليشيات المدعومة من إيران. التحديات التي تلوح في الأفق تدعو إلى ضرورة وضع خطط طوارئ لضمان أمن العراق على المدى الطويل.
في خاتمة المطاف، يبدو أن الوضع في العراق يواجه فترة من الفوضى والتحديات الأمنية المستمرة. ونجاح الحكومة العراقية في تحقيق الاستقرار يعتمد بشكل كبير على كيفية تعاملها مع الجوانب الأمنية والسياسية في فترة ما بعد الانسحاب الأمريكي. وفي ظل هذه الشكوك، تترقب الأنظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة.
