عُقد في مدينة نيويورك اجتماع رفيع المستوى تحت عنوان “ما بعد الأزمات” بحضور رئيس مجلس الوزراء اللبناني، نواف سلام، والمفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، دوبرافكا شويتسا، إلى جانب مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ألكسندر دي كرو. جاء اللقاء بمبادرة مشتركة من لبنان والاتحاد الأوروبي والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وشهد حضور عدد من كبار المسؤولين وممثلي الدول والمؤسسات المالية، بما في ذلك المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل، والمديرة العامة للعمليات في البنك الدولي، آنا بيردي، وممثلين آخرين عن عدة دول مثل اليابان وألمانيا.
ركزت مناقشات الاجتماع على ضرورة تبني نهج دولي أكثر فعالية للتعامل مع الأزمات الطويلة الأمد، مستلهمة من التجارب اللبنانية خلال الحرب في الجنوب. كما تم بحث سبل تعزيز دور الدولة ومؤسساتها في إدارة الاستجابة للأزمات والتعافي، مع التأكيد على أهمية توجيه الدعم الدولي إلى تقوية قدرات تلك المؤسسات بدلاً من إنشاء بنى موازية لها. وقد تم الإعلان عن إطلاق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي العالمي الجديد “ما بعد الأزمات” خلال هذا الاجتماع.
وفي كلمة الافتتاح، أوضح سلام أن الانتقال إلى مرحلة ما بعد الأزمة في لبنان ليس مجرد فكرة نظرية، بل هو واقع ملموس يُعاش يومياً، مما يستوجب استخلاص الدروس التي تذهب أبعد من الحدود الوطنية. وأشار إلى أن الأزمات الحالية أصبحت أطول وأكثر تكراراً وتعقيدًا، ما يستدعي التفكير في كيفية التحول من مرحلة إلى أخرى بشكل متتابع، بدلاً من انتظار انتهاء أحدها لما يليها.
استعرض سلام الجهود التي يبذلها لبنان لمساعدة العائلات النازحة في ظل الأزمات المستمرة، وأشار إلى أهمية دعم سكان الجنوب وتيسير عودتهم إلى قراهم، مع إعادة تأهيل المدارس والبنية التحتية الأساسية. وأكد على أن هذه الجهود تتطلب تنسيقاً متزامناً بين الجوانب الإغاثية والإنسانية والتعافي، مشدداً على أن العودة ليست مجرد عملية منفصلة، بل ترتبط بشكل وثيق بالتعافي.
تمكن لبنان، وفقاً لسلام، من الاعتماد خلال أزمة 2026 على مقاربة قائمة على تعزيز دور الدولة ومؤسساتها من خلال خطة وطنية تتضمن دمج جهود الشركاء الدوليين وتقديم الدعم اللازم. وأبدى احترامه للدور الحيوي الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني في التنفيذ الفعلي للمشاريع.
وأكد سلام أن الهدف ليس تقليص الدعم الدولي، بل رفع فعاليته واستدامته ليخدم تعزيز مؤسسات الدولة وقدراتها، وكذلك مساعدة السكان المتضررين، خصوصاً في الجنوب، على العودة إلى حياتهم الطبيعية وتهيئة الظروف اللازمة لذلك. وأشار إلى أنه يجب إيجاد أنظمة تمويل مرنة تساعد على التأقلم مع مراحل الإغاثة والتعافي دون انقطاع.
انتهى سلام إلى التأكيد على أن النجاح في مسار التعافي يعتمد ليس فقط على توقيت البدء، بل على كيفية القيادة ومن المسؤول عن تلك القيادة، وما إذا كان الدعم الدولي يسهم فعلياً في تمكين الدولة من أداء دورها. وناشد المجتمع الدولي مساندة جهود الدولة اللبنانية لتحويل الاستجابة الطارئة إلى دعم مستدام يمكّن العائلات من العودة والاستمرار في حياتها بكرامة. وبينما يشدد على أهمية تقديم الدعم السريع والفعال، دعا إلى ضرورة العمل الجماعي لتسهيل العودة والتعافي، مما يعزز حضور الدولة في المناطق المتضررة.
